ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
57
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة نوح عليه السلام : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا فإن غفارا أبلغ في المغفرة من غافر ، لأن فعّالا يدل على كثرة صدور الفعل ، وفاعلا لا يدلّ على الكثرة . عليه ورد قوله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فالتّوّاب هو الذي تتكرر منه التوبة مرّة على مرّة ، وهو فعّال ، وذلك أبلغ من التائب الذي هو فاعل ، فالتائب اسم فاعل من تاب يتوب فهو تائب : أي صدرت منه التوبة مرة واحدة ؛ فإذا قيل : توّاب ؛ كان صدور التوبة منه مرارا كثيرة . وهذا وما يجري مجراه إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد ، ولا يوجد ذلك إلا فيما معنى الفعلية ؛ كاسم الفاعل والمفعول ، وكالفعل نفسه ، نحو قوله تعالى : فكبكبوا فيها هم والغاوون فإنّ معنى كبكبوا من الكبّ ، وهو القلب ، إلا أنه مكرّر المعنى ، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب ؛ لأنه موضع يقتضي ذلك . ولربما نظر بعض الجهال في هذا فقاس عليه زيادة التصغير وقال : إنها زيادة ، ولكنها زيادة نقص ، لأنه يزاد في اللفظ حرف ، كقولهم في الثلاثي في رجل : رجيل ، وفي الرباعي في قنديل : قنيديل ، فالزيادة وردت هاهنا فنقصت من معنى هاتين اللفظتين ، وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره ؛ لأنه عار عن معنى الفعلية ، والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني ، الا إذا تضمّنت معنى الفعلية ، لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال معناها ، ألا ترى أنا لو نقلنا لفظة عذب ، وهي ثلاثية ، إلى الرباعي فقلنا : عذيب ، على وزن جعفر ؛ لاستحال معناها ، ولم يكن لها معنى ، وكذلك لو نقلنا لفظة عسجد ، وهي رباعية ، إلى الخماسي فقلنا : عسجدد ، على وزن جحمرش ؛ لاستحال معناها ، وهذا بخلاف ما فيه معنى الفعلية ؛ كقادر ومقتدر ؛ فإن قادرا اسم فاعل قدر ، وهو ثلاثي ، ومقتدرا اسم فاعل اقتدر ، وهو رباعي ؛ فلذلك كان معنى القدرة في اقتدر أشد من معنى القدرة في قدر ، وهذا لا نزاع فيه . وهذا الباب بجملته لا يقصد به إلا المبالغة في إيراد المعاني ، وقد يستعمل